ابن قيم الجوزية
195
البدائع في علوم القرآن
أمثلة على النسخ [ 1 ] قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 278 ) [ البقرة ] ، فأمرهم تعالى أن يتركوا ما بقي من الربا وهو ما لم يقبض ولم يأمرهم برد المقبوض ، لأنهم قبضوه قبل التحريم فأقرهم عليه ، بل أهل قباء صلوا إلى القبلة المنسوخة بعد بطلانها ولم يعيدوا ما وصلوا ، بل استداروا في صلاتهم وأتموها ، لأن الحكم لم يثبت في حقهم إلا بعد بلوغه إليهم ، وفي هذا الأصل ثلاثة أقوال للفقهاء وهي لأصحاب أحمد ، هذا أحدها وهو أصحها ، وهو اختيار شيخنا رضي اللّه عنه . والثاني : أن الخطاب إذا بلغ طائفة ترتب في حق غيرهم ولزمهم كما لزم من بلغه ، وهذا اختيار كثير من أصحاب الشافعي وغيرهم . الثالث : الفرق بين الخطاب الابتدائي والخطاب الناسخ ، فالخطاب الابتدائي يعم ثبوته من بلغه وغيره ، والخطاب الناسخ لا يترتب في حق المخاطب إلا بعد بلوغه ، والفرق بين الخطابين أنه في الناسخ مستصحب لحكم مشروع مأمور به ، بخلاف الخطاب الابتدائي ، ذكره القاضي أبو يعلى في بعض كتبه « 1 » . ونصوص القرآن والسنة تشهد للقول الأول ، وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة وإنما أشرنا إليها إشارة . قال أبو القاسم « 2 » : وفي الحديث دليل على أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس ، وهو قول ابن عباس يعني قوله للبراء : « لقد كنت على قبلة » « 3 » . وقالت طائفة : ما صلى إلى بيت المقدس إلا منذ قدم المدينة سبعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا .
--> ( 1 ) هو الإمام العلامة شيخ الحنابلة ، محمد بن الحسن بن محمد بن خلف البغدادي الحنبلي صاحب التصانيف المبهرة منها « مسائل الإيمان » و « العدة » في أصول الفقه وانظر منه ( 3 / 780 ) وما بعدها . - انظر السير ( 18 / 89 ) ، وطبقات الحنابلة ( 2 / 193 - 230 ) . ( 2 ) هو العلامة السهيلي ، انظر الروض الأنف ( 4 / 113 - 114 ) . ( 3 ) السيرة النبوية لابن هشام ( 2 / 86 - 88 ) ، والحديث في كنز العمال معزولا لأبي نعيم ( 8 / 28 ) . وانظر الإصابة ( 1 / 238 ) .